![]() |
![]() |
|
" ضـرورة ( الـتـغـيـيـر ) " 12-2-2008
تكـفيك نظرةٌ سريعة على المواقع الإسلامية ، وتصفحٌ لن يأخذ منك كثيراً من الوقت كي تخرج بالـنتـائج الـتالية :
1 ـ أنَّ كثيراً من المواقع يصلح لعصر الراشدين رضي الله عنهم ! لأنها تـفترض أن البناء كامل ، إلا من نقص هنا ، أو ثغرة هناك ، فهي ـ لذلك ـ تساهم في تكميل النقص ، وسد الثغرة ! بمعنى آخر إنَّ خطاب أغلب هذه المواقع خطاب فردي ، يخاطب الفرد تـلبيةً لحاجاته ، وإجابةً عن تساؤلاته . إنَّها تخاطب الفرد بعيداً عن شبكة العلاقات التي يتعامل معها ، والظروف التي يحيا فيها ، والظلم الذي يُمارس عليه ! وهي لا تخاطب البنية الداخلية للمسلم ، ولا تعتـني بتكوين شخصية الإنسان ، وتحديد ملامحها ، بل تُعنى ـ على الأغلب ـ بإحداث نقـلةٍ في ظاهره ! وهذا لا يعني التهوينَ من شأن هذه الأمور ، وإنما التـنبيه على نوعية وطبيعة الخطاب والجدوى منه ، والتساؤل عن المشروع الذي تُمثِّـله هذه المواقع .
2 ـ أنَّ كثيراً من المواقع تـكرارٌ واستـنساخٌ ! ولن أقف كثيراً هنا ، يكـفيني أن تدخل على موقع السلطان ، مثـلاً ، وتـتـصفح المواقع عليه ، لتـتـأكد من هـذه الملاحظة .
3 ـ بعض المواقع رضيت بما رضي به إبليس ، وهو التحريش بين المسلمين ، فكأن القائمين عليها وكلاء إبليس يؤدون عنه وظيفته على أكمل وجه ! وقد نصَّبَ المشرفون على هذه المواقع أنفسَهم حرسَ حدودٍ على منهجٍ لا أظنُّ أنهم يعرفون عنه أكثر مما يعرف غيرهم ، لكنه رداءٌ يلبسه بعضهم موافقةً لجوٍ سائد ، أو تجارة في بضاعة رائجة ، أو قناعة على جهالة ! وترى الواحد منهم يظنُّ نفسَه أمير الجرح والتعديل في هذا الزمان ، والمشكلة أنَّ معياره هو قناعاته أو قناعات مجموعةٍ من الناس ، وتستغرب عندما تـقرأ لهم وهم يُـنخِّـلون الناس من ذا الذي سلم منهم ، ومن ذا الذي بقي على الجادة ؟! إنَّهم وحدهم هم أصحاب الحق المطلق !
4 ـ تضخيم قضيةٍ من الـقضايا ، وجعلها محور كل العمل والإنتاج ، والبناء على أنَّها أصل الأصول ، وأنها سبيل النهضة والتغيير ، في حين أنها لا تعدو كونها قضية من القضايا ، التي لا نختلف مع أحد على أنها مهمة ، وأنَّ الحديث عنها خطوة على الطريق ، لكنها ليست الطريق كله ، وليست حلاً للأزمة التي تعيشها الأمة .
هذه بعض الملاحظات على كثير من المواقع ، دون قصد للاستيفاء ،لأنَّـه ليس مقصوداً هنا . كما أنَّه ليس من المقصود التخطيء أو التصويب ، فكثير من المواقع جهود مشكورة ، ولا شك أنها تُغطي ثغرةً في الساحة . ولكن القصد هو الإشارة إلى : ـ المبالغـة في تضخيم بعض الظواهر على حساب المشكلة الحقيقية . ـ الإغـراق في الـخطاب الـفـردي . ـ غياب ثـقافة المـشروع عـن أغـلب المواقـع .
ـ الانفصال في مضامينها عـن حـركة التـاريخ . ـ التركيـز على المعلومـة ، وكأنَّ تـخـلف الأمة عن دينها سـببه نـقص المعلومة ، أو عدمها ! فيظنون أنه بتـوفـير المعلومـة سـيـتـغير الحال !
هذه بعض الملاحظات ، وهي نفسها تلاحظ على مشاريع الجماعات الإسلامية ، فالجماعات التي بررت وجودها بحملها منهجاً للتغيير ، يبدو أنها تعبت ، وتحولت إلى تـنمية التدين الفردي ، مكتـفية بما تحققه في هذا المجال . وهي بهذا ـ ولا شك ـ تغلق بعض الثغرات ، وتـقدم خدماتٍ جيدة ، وهذه جهود طيبة تذكر ولا تكفر ، ولكن حديثـنا ليس عن هـذا ، وإنَّـما عن إجابـة الأسئـلة التـالية : ـ ما هو الإسلام الذي طلبه محمد صلى الله عليه وسلم من الناس ؟ وكيف دعا إليه ؟ ـ أي إسـلام نـريد أن نـوصـله للــناس ؟ ـ مـا هـو واقـع الإسـلام ، ومـا هـو فـهم المـسلمين لدينـهم ؟ ـ وتبعـاً لـذلـك ، مـا هـو مفهومنـا للـتـغـيـيـر المنـشـود ؟ ـ كيف نسـاهـم فـي الـتـغـيـيـر المـنـشـود ؟ إن البدء بالإجابة عن هذه الأسئلة سيضعنا على أول طريق الرشاد ، وستكشف لنا أين تـقف جهودُ النهضة من طريق الرشاد . وحتى نكون مُـنصفين فإننا لا نقصد سلب الجماعات الإسلامية فضلها في خدمة الإسلام ، بل نقول : إن تـقديم كشف الحساب ـ الذي هو في الحقيقة إجابة عن الأسئلة السابقة ـ سيسحب من هذه الجماعات حقَّ التـقدم والريادة ، ولن يسلبها حقَّ ومشروعية الوجود . إنَّ الإجابة الحُرَّة والمتجردة على هذه الأسئلة تعني تحول هذه الجماعات من بديل إلى خيارٍ ؛ خيارٍ وحسْـب !
إنَّ ما قـيل في هـذه الإطلالة السريعة عن الجماعات الإسلامية ـ وهي إشارات سيلحقها تـفصيل بإذن الله ـ يُقال عن المواقع الإسلامية ، وعن الخطاب الذي تحتويه . إنَّ ما يحدث الآن على المواقع الإسلامية تكرار لما حدث في التاريخ الإسلامي ، وذلك من خلال مظهرين : الأول : إعادة الإيمان إلى السماء ! في حين أنَّ الجهد الأبرز للخطاب القرآني هو إنزالُ الإيمان إلى الأرض . لقد تحولت قضايا الإيمان إمَّـا إلى : قضايا أكاديمية فلسفية ، لا علاقة لها بالعمل كثيراً ، وإمَّـا إلى قضايا فردية تـقـف عند حدود تـزويد المسلم بالثـقافـة الفردية لـيُحقـق شكلاً أولياً من أشكال التدين .
إننا نعترف أن جهود العمل الإسلامي بكافة أطيافه أثمرت قطوفاً رائعة نذكرها ولا نكفرها ، ونـثـني عليـها الخير كـله ، ولكـنها لا ينبغي أن تصرفـنا عن دراسة الواقع ، والأثر ، والمآلات . إن الحدود التي وقفت عندها نتائج عقود من الجهاد والتضحية هي حدود التدين الفردي ، فـلـقد تكونت نزعة دينية ، ومشاعر دينية ، لكنها بمجموعها نزعة فردية ، ومشاعر ذاتية ! قد لا أكون مبالغاً إذا قُـلت بأنَّ عدد المساجد لم يكن بهذه الكثرة والتـفـنن في البناء كما هو الآن ، وها هم المصلون يملؤون المساجد ، ويتدافعون على أبوابها . ولم يبلغ كذلك عدد الحجيج هذه الملايين كما هو الآن ، وها هي عرفات ما فيها موطيء قدم من كثرتهم، وها هو هديرهم بلبيك في عرصات عرفات يخترق السبع الطباق ! وها هي مكة تزدحم في رمضان ، حتى لا ترى في المسجد الحرام إلا راكعاً أو ساجداً ! وها هي دموع الألوف ليلة القدر تتجاوب مع دعاء الإمام فتسيل أنهاراً ! وها نحن نغضب ممن لا يصلي ، ولا يصوم ، ( وقد ) ممن لا يزكي ! وها نحن تعتصرنا الآلام ونحن نرى مسلماً يقتل في مكان ما ، أو نرى غزة تحاصر !
ومع ذلك وبعد ذلك فإن المسلمين ـ إلا القليل ـ لا يشعرون ولا يدركون أعظم منكر ومصيبة يعيشونهما ، بل ويسهمون فيهما أيضاً ! إنه منكر تحييد شرع الله عن ضبط حياة المسلمين !! ومصيبة غياب الإسلام كمنهج حياة ، وليس كمنهج حكم وحسب ! لماذا ؟؟ ... لأنَّ الـتـدين الذي لُـقـنَّـاه هـو تدين الفرد ، وتعـمير الآخرة ! تـديُّـنٌ ( انـج سعـد فـقـد هـلك سُعـيـد ! ) . تدين لم يتدبر قول الله عز وجل : " أجعـلـتـم سقــايـة الحـاج ، وعـِـمـارة الـمســجد الحــرام ، كـمـن آمــن بالله والـيـوم الآخـر ، وجـاهـد فـي سبـيـل الله ؟!! لا يـســتـوون !! " ( التوبة : 19 ). ولم يسمع كلمة أبـي الوفـاء بن عـقـيل رحمه الله ( ت 513 ) : " إذا اردتَ أن تـعـلمَ محـلَّ الإسلامِ مـن أهـلِ الزمـان ، فـلا تـنـظُـر إلـى زِحـامـهـم فـي أبـواب الجـوامـع ، ولا ضـجـيـجـهـم فـي المـوقـف بـلـبـيـك ، ولـكــن انـظـر إلـى مـواطـأتـهم أعـداءَ الــشـريـعـة " . أو كلمة ابن الجوزي رحمه الله ( ت 597 ) : " إنَّ الشريعةَ بردت في قلوب العباد " . وهذان العَـلَـمان يتحدثـان عن زمانهما ! فكيف لو رأيا هذا الزمان !!
لقد أنجزت الصحوةُ الكثير على مستوى التدين الفردي ، ولكنها لم تحقق الكثير على مستوى المجموع ، والوعي ، والتدين الاجتماعي الذي يضبط العلاقات ، والتدين السياسي ، والتدين الذي يهدف إلى تغيير الإنسان ـ ويتعامل مع الإسلام كنظام متكامل أهدافه أكبر وأوسع من أن يَعمُر الناس المساجد ، أو يملؤوا عرفات ! وهكذا فإن الخطاب المعاصر ، وعلى رأسه خطاب المواقع ـ تماماً كجهد أغلب الفقهاء بعد القرن الثالث ـ أفرز هذا التدين الذي نشاهد ، والنتيجة فإننا كأفراد : قــد نكون متـدينين ، وجيدين ، نصلي ونصوم ونحج ، وقـد نكون ـ كأفراد ـ كذلك أذكياء .... لكننا كمجموع قطيع من العاجزين ، الأغبياء ! إننا كمجموع لا علاقة لنا بالإسلام ، ولا وعي لنا على الإسلام .
الثاني : التركيز على المواعظ التي تنحصر مضامينها في نجاة الفرد في الآخرة . وهو خطاب يفترض أن المسلم إنسان جاهز للخطاب ، لكن تنقصه بعض المواعظ والرقاق كي ينتعش قلبه ويعود إلى ربه ! وهذا قد يكون صحيحا ، إذا قصرنا غايتنا على تحسين بعض سلوكيات المسلم . لكن ذلك ليس كافياً إذا كنا نريد الإسلام ، وليس كافياً إذا كنا نريد التـغـيير الحقيقي الشامل . إنَّ الحاجة ماسةٌ لخطاب يختـلف عما هو سـائد . خطابٌ عنوانه " إحـياء النبوة " بمعنى أن يكون عمله إجابةً لسؤال : ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيفعل لو كان معنا ؟ إننا بحاجة لموقع ينمي الإحساس بالواقع ، ويتعامل مع الدين كوحدة واحدة ترسم طريق الحياة كما تهذب الأفراد ، وكنظام متكامل يهدف إلى تغيير الإنسان وتـفهـيمه أنه لن يكون مؤهلاً للنجاة في الآخرة إلا إذا تأهل لقيادة وعمارة الدنيا . وتدعو إلى إعادة بناء المسلم من الداخل ، مفترضةً أنه غيرُ مؤهلٍ بعدُ لحمل أيِّ فكرة فضلاً عن حمل الإسلام ! وإفهام المسلمين أنَّ ملايين المسلمين المتدينين تديناً فردياً لن يتـقدموا بواقعهم خطوةً واحدة . موقع ينقل ثقافة الصحوة من الهم الفردي ، ومن الثـقـافة الفردية إلى ثقافة التغيير الإجتماعي . وصعق المسلمين بأنَّهم ـ وهم بهذه الحالة ـ لو وقـفوا في صعيد واحد ودعوا دعوة رجل واحد : أن يا ربنا غير الحال إلى أحسن الأحوال . فإن السماء ستيجيبهم بما لن يسمعوا ؛ ستجيبهم : بـــلا كبيرة ! ... من هنا كانت فكرة إنشاء موقع الـتـغـيـيـر ، محاولة لمليء هذا الفراغ ، وإسهاماً في صناعة المسلم المؤهل لحمل هذا الدين والدعوة إليه . وهـذه الخواطر ليست آخر الحديث ، بل هي أوله ، وعلى وعد أن نكملها . إنَّ هذا الموقع ليس استنساخاً ولا تكراراً ، وليس آهات مكبوت ينثرها على القراء ، وإنما هو تجديد لخطاب مؤثر في مواجهة التسطيح والاجترار والثرثرة والضحالة . جاء ليضيف وليبعث الحياة في معاني ومفاهيم حيدها الخطاب الإسلامي منذ قرون ! نسأل الله أن يعيننا على تحقيق شيء مما قلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه .
|
||
|
Copyright ©2007 Al Taghyeer All rights reserved |